الأربعاء، 25 يوليو، 2012

المراهنون على الجهل العام


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا لا يَـمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ"[1]. 

يومًا ما سمعتُ مثلا أجنبيًّا، مَفَادُه: أن أجودَ الكذباتِ سَبْكًا تلك التي تُغَطَّى بأنصاف الحقائق.

شهادةً لله: بعد أن انتهيت من قراءة ما ترجمه أكثر العرب في البنيوية أو الأسلوبية أو السيميائية أو التفكيكية أو التداولية، مع بعض الأصول الأجنبية أدركت أن أكثرهم لا يفهمون النصَّ الذي ترجموا عنه وسياقَه الفلسفي اللغوي التاريخي الثقافي الأدبي. وحين انتهيت من قراءة أكثر ما ألفه العرب في هذه المواضيع، أدركت أن أعظم حظهم من التأليف كان رصَّ الجمل والفِقْرات المترجمة، وعزوَ بعضها، على طريقة لا تفضي إلى فهم يمكن البناء عليه، فضلا عن أن يحسُن ذلك. ولو أنهم قرؤوا حتى استوعبوا، وتأنوا حتى فهموا، ثم نقلوا ما فهموه وقالوا: هذا فهمناه، وسكتوا عما لم يفهموه، أو قالوا لم نفهمه، لكان للبحث العلمي اللغوي والأدبي والسياسي والإعلامي والفني في مناهج الحداثة وما بعدها شأن آخر[2]، في عالمنا العربي.

قال أحد شعراء اللغة العربية وعلمائها بِالعَرُوضِ وغيرِه: "وأنا لست عروضيا، وإنما أنا كمثلك أحب أن أفهم ما أقرأ، وإلا لم يكن لقراءة ما نقرؤه معنى، فأغلقُ أنا كتابي، وتغلق أنت هذا الكتاب، ثم نرمي بهما جميعا في النار، فلعلها أعقل مني ومنك، فتحرق هذا الكلام وتأكله، فربما كان معنى ذلك عندها: أنها تقرؤه وتفهمه، فتكون أحقَّ مني ومنكَ بالحياة، أي بالتوقد والتوهج! فإذا كنتَ أنتَ وكنتُ أنا ممن يستنكف أن يُنَزَّل هذه المنزلة، فدعنا نمضي في النظر في العَروض حتى نفهم ما يقال لنا."[3]

       حين يتأمل المرء الخطاب –أيَّ خطاب- في ضوء منشئ الخطاب، وغايات المتكلم من كلامه، تنمو لدى المرء حاسة خفية تميز بين نوعين من الخطاب: الأول: خطاب يقوله صاحبه، وهو يفهم ما فيه، ويؤمن به. والثاني: خطاب يرتب صاحبه ألفاظه وهو لا يفهم كل ما فيه، وهو متردد الإيمان به، وإن أكّد في الظاهر أنه يقصد معاني كلامه.

       تلك الحاسة تبدأ في عملها حين تلتقط الفروق بين طريقة تركيب الكلام مع طول الممارسة، وشيئا فشيئا يستطيع المرء أن يتبين سماتٍ مطردةَ الحدوث في خطاب المتكلم الجادِّ الذي يسعى بكل طاقته أن يوصل فكرة معينة للمتلقي، وخطاب المدلِّس الذي يعمّي تارةً، ويوضح أخرى، ويستقيم مرةً، ويلتوي أخرى، لينتزع انبهار الناس بخطابه، وإن لم يفهموا منه شيئا؛ وذلك لجزالة ألفاظه، أو كثرة اقتباساته، أو غرابة مصطلحاته، أو غير ذلك.

       إن تلك الحاسة تثبت لصاحبها بعد كثير من التدريب أن نسبةً كبيرةً من جميع جميع الخطابات التي يتلقاها زائفةٌ، أي: غير دالة على مقصودات يمكن للعقل أن يعيها. وذلك في كل الخطابات، من الإعلامي إلى الديني إلى السياسي، إلى العلمي الثقافي إلى العلمي الأكاديمي في رسائل الماجستير والدكتوراة.

       مجرد الإحساس بأن هناك نسبةً ما من الزيف فيما يقرؤه الإنسان، أمر يشعر المتلقي بأنه وقع في شَرَكِ الخيانة، خيانة الميثاق الضمني الذي يعقد بين المنتج للنص والمتلقي له، وهو ميثاق افتراضي غير مكتوب، ولكنه محسوس، وصورة هذه الخيانة: حين يستجمع المتلقي حواسه وأدواته كلها ليفهم الخطاب، ويحاول المنتج أن يراوغ منه ويعبر بين الكلمات والجمل دون أن يُفهِمَه مقصودا، فإذا اجتهد المتلقي في فهم المقصود بإعادة تركيب الكلمات والجمل بشكل يتسق مع أبسط صور المنطق العقلي، قال له المنتج للنص، لا أقصد هذا، فيظل في حيرةِ مَنْ يشعر أنه بحث وتعب ولم يجد ما يبحث عنه. هذا في حالة أن المتلقي لم تنقصه أداة، ولم يهجم على النص دون احتشاد بجميع الأدوات التي يطلبها منه منتج النص، والسياق الذي يقرأ فيه النص.

       وقد يعترض الناس بأنك مهما بلغتَ من التأهيل فإنك لست مؤهلا بعد للفهم، وهو اعتراض مقبول بشرط أن يدلني على الأدوات الناقصة التي عليّ امتلاكها لأفهم، وعليّ ألا أدخر جهدا في امتلاك ذلك، فإن لم يستطع المعترض إفهامي فهذا هو الخداع بعينه، وهنا تبدأ المراهنة على الجهل العام.

       لا شك أن كل خطاب حين ينتجه صاحبه، يقصد به مجموعة من المتلقين، وإن كانت وسيلة نشر الخطاب عامة كالانترنت مثلا، ولكن لنكن أكثر تحديدا: فأصحاب التخصص الواحد حين يكتبون كتابات يقولون عنها متخصصة؛ فهم لا يقصدون بها غير المتخصص؛ لأنه ليس أهلا لفهم كلام المتخصصين، ولكن دعني أدعي أن الجميع يراهن على الجهل العام، ولو بنسبة ما، إلا ما رحم ربي. وحقيقة ذلك أن الذي ينتج نصا ما ليقدم علما أو معرفة أو ثقافة أو أي خطاب للآخر يفترض ابتداء عدم إلمام المتلقي لهذا الذي هو بصدد تقديمه له، وإن كان يلم ببعض أطرافه، ولكنه لا يلم به على الوجه الذي يقدمه به، وهو هنا مخير بين أمرين: أولهما: أن يسلك طريقا مفهما وإن لم يكون أقرب الطرق، ويكونَ حريصا على فهم الآخر لجميع أبعاد الرسالة التي ينقلها به، وهنا سيستويان في المعرفة، مما قد يفقد الأستاذ (المتكلم) عنصر قوة كان يعلي قدره نفسيا أو اجتماعيا أو سياسيا على الآخر. وثاني الأمرين: أن يسلك طريقا لا يوصل جميع الرسالة بكل الوضوح الممكن قدر طاقته لِيُلِمَّ بها الآخر من جميع أطرافها كما يلم بها هو ، فيوصل منها نسبة، ويخفي نسبة في نفسه ليظل هو مصدرا مهما للمعلومة والفكرة، ومرجعا ضروريا في مستقبَل الزمن لهذا المتلقي، فلا يظن المتلقي أنه فهم كل شيء، وإن ظن أنه فهم بعض الأشياء وَفقا للنسبة التي حرص المرسل على توصيلها له من الرسالة.  

       وهنا يكون من مصلحة الأستاذ أن يبذل ما يجذب له الأنظار دون ما يرفع الطالب؛ ليصير مستواه العلمي كمستوى أستاذه، ظنا أنه هذا هو النجاح، ومن مصلحة الشيخ أن يعرض على المدعو ما يزيده تمسكا به هو لا بالمادة أو المنهج أو الدين الذي يدعو إليه، ومن مصلحة مرشد الطريق أن يرشدك لبعض الطريق وينتظرك أن تهاتفه ليرشدك لبعضه الآخر، هذا في حال إحسان النية بهم جميعا أنهم يعرفون جيدا ما يقدمونه للناس.

       وتلك المصلحة القصيرة المدى تتبدد؛ لأن المتلقي حين تصله الرسالة مع بعض التشويش يضطر لمحاولة إكمالها هو، ويكون ذلك في البداية بشكل علمي وَفق معطيات منتج الرسالة، ثم حين يعجز، أو يُعَجَّز بالأحرى، يضطر لأن يجتر من مخزونه هو ما يكمل به النقص، ويصير حكمه على الفكرة ومنتجها مبني على فهمه الخاص الذي لم يكن منتج الرسالة صادقا كل الصدق في توصيل رسالته حين تلقاها المتلقي ليفهمها، فيعود ذلك بالضرر على العلم والبحث والمنهج والمادة المبحوث فيها، وهو الضرر الأكبر؛ فيصير المرء يظن أنه قرأ هذا ويعلم ما فيه، وهو مخطئ في ذلك وإثمه على من نقل له، وهو جَهْلٌ فَوْقُ مُرَكَّبٍ؛ لأنه يجهل؛ ثم لأنه يجهل أنه يجهل؛ ثم لأنه يظن أنه يعلم ما يجهله، هذا كله بافتراض أن المتلقي بذل كامل جهده لفهم ما أصر المرسل أن يجعله مستغلق الفهم، ولو بنسبة ما.

وقد يعترض بأن كل إنسان يفسر النص كما يريد، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، يجاب على ذلك: بأن هذا صحيح، وربما يكون الأولى في نص أدبي أو نص ميثاقُه الذي بين الكاتب والقارئ يتضمن أنني سأحاول التمويه أو الخداع وقيمة النص أنك تستمع وأنت تحل ألغازي، وتفهم أحاجيَّ، أما في نص علمي، كُتب ليكون واضح الدلالة، أو نصٍّ إعلامي وضع ليفيد قيما أو معرفة محددة، أو خطابٍ ديني قيل ليثمر إيمانا وعلما وسلوكا واضحا محددا، ومع كل ذلك راهن كاتبه على جهل متلقيه فقال ما قال، ولم يكن صادقا كل الصدق في توصيل الرسالة، فهذه خيانة، فإن قيل هي خيانة ولكن قَبِلَها الناس، نقول: هي خيانة لم يستوحش منها الناس لأنهم يجهلون أنها خيانة؛ ولأن مِن معطيات الجهل العام الذي يراهن عليه المرسل أن غالب المتلقين ليس في قدرتهم أن يستمروا في البحث خلف المرسل حتى يعرفوا أنه يخدعهم، وحين يعرف أحدهم ذلك ويشرع في توضيحه للناس، يعده المرسل الأول الخائن زنديقا في الدين، أو خارجا مخربا مدسوسا في السياسة، أو باحثا ضالا جاهلا غير علمي وغير منهجي متطاول على العلماء في العلم، وفي كل ذلك خارج على المجتمع؛ وأكبر ذنبه أن يفكر ويتتبع ويتثبت من أنه يفهم ما يقال له، وأنه لا يخدع به، ويقع في الوهم المجرد: أن هذا كلام فلان العظيم، ولا بد أن الكلام عظيم كقائله، وكيف لا وقد أجمع الناس على عظمة مكانة القائل؟

وصور هذه المراهنة على الجهل العام مع تقدم خط الزمن تأخذ أشكالا أكثر تعقيدا، تجاريا مع ارتفاع الوعي العام الذي يُـمَكِّن من فضح الأساليب التقليدية في الخداع، فكلما زاد الوعي العام زاد الجهد المطلوب للتمييز بين الحقيقي والمزيف في كل الحياة، أو بتعبير أدق: بين الرسالة الجادة الصادقةِ الدلالةِ على مدلولٍ والرسالة التي اهتم مصممها بأن يجعلها تشغل حيزا أكثر مما تفيد مقصودا. وهي على درجات.

وإن قيل: ولو كان الجميع واقع واقع لا محالة في المراهنة على الجهل العام، فما البأس بذلك؟! فإن الإجابة على هذا تحتاج معرفة عدة فروق بين علمية الإرسال الصادقة، وعملية الإرسالة المزيفة.

لو استبعدنا الخطاب الأدبي مؤقتا؛ فإن الوضع النفسي للمرسل الصادق وإن حالت المشوشات من أن تصل رسالته لعقل متلقيه حالة تطمئن بعد تمام عملية الإرسال لأنه يعرف أنه لا يخادع، ولا يحافظ على بقاء جهالة ما في عقل المتلقي ليكون هو المنير له دائما في الظلام، ولكن عمل جهده في إنقاذ صاحبه، وأعذر إلى نفسه، وإلى معتقده وفكره، وإلى ربه، وإن يفهم المتلقي مقصود الرسالة؛ فالمبدع غير مسؤول عن تأويلات الآخرين لنصه، كما نص السيميائيون.

أما الحالة النفسية الداخلية للآخر فهو يتقلب خوفا من أن يتمكن متعمق أو مدقق أو متخصص من رصد كلماته وإثبات جريمته، ومن ثَم فضح سلوكه وتعريته أمام الناس لا سيما متلقيه الذي كان يحاول أن يكتسب لنفسه قدرا على حساب جهله، ومخادعة كل شعاع وعي أو نقد يتأرجح في جنباته، هو كالسارق لا يأمن على نفسه وإن بالغ طاقمه من المحامين أن يجعلوه أبعد ما يكون من الجريمة: "أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين"، لا سيما إن تَلَبَّس بمسوح المنهج العلمي، والدقة الأكاديمية، والكثرة الكاثرة على ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وفرق آخر أن المراهنة على الجهل العام، حضاريا تزيد الأمة تدهورا، إذ نحن نترجم كلاما لا نفهمه، ونردد مبادئ لا نطبقها، وندعي بعد كل ذلك أننا نرفع الجهالة عن الناس، وما نقدم لهم إلا تغريرا بعقولهم لأنهم لا يمتلكون أداة كشف كذبنا عليهم، تلك الأداة التي يَفْنَى مخلصو الأمة الفرادى ليرفعوا بها الأمة درجة، ويحاول الجمع الكثيف من متعالميها أن يوقفوا هذا التقدم الوعييّ للأمة، عن قصد أو عن غير قصد.

لماذا إذن لا يترك الناس المراهنة على الجهل العام؟ إن كان في ذلك صالح الفرد والمجتمع؟

لأن عدم المراهنة على الجهل العام، والصدق الفني في كل إحالة وكل توثيق، وعدم الاكتفاء بالمراجع الوسيطة، وعدم الوقوف عند البنى السطحية، وعدم وانتظار نتائج البحث العلمي مع الانتصار للرأي الْمُعَدِّ مسبقا، وعدم اتخاذ العينة الصادقة، وعدم بذل الوقت والجهد في نتائجها وتحليلها، وعدم السعي خلف كل ضوء وكل خيط قد يفضي لفهم جديد أو علم نافع أو إضافة بصمة حقيقة لا مُلَفَّقَة، وعدم البذل من أجل العلم -عدم كل ذلك- أسهلُ دائما من البذل، إذا كان المنجز الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الحالتين واحدًا، وعلة ذلك انتشار الجهل العام، الذي يؤدي لعدم القدرة على التفريق بين الغث والسمين، ومواضع الغثاثة من السمين؛ إذ يصعب أن نجد سمينا خالصا،  ومواضع السِّمَن من الغث؛ إذ يندر أن نجد غثا خالصا.

ولله در رولان بارت حين أدرك أننا –نحن الشعبَ المتلقي- مخدوعون، وأننا سنظل مخدوعين، ولكن من حقنا أن نعلم كيف نخدع.

حاتم الأنصاري

 



[1]  في مسند أحمد، مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو فيه جزء من خطبة طويلة، ونصه فيه: "... ألا لا يمنعنَّ رجلا مهابةُ الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه...". وفي سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، برقم 4007، وهو فيه بالنص الذي أثبتناه بالمتن. وفي مستدرك الحاكم، كتاب الفتن والملاحم، برقم 8543، وهو فيه جزء من خطبة طويلة، ونصه فيه: "...ألا لا يمنعنَّ رجلا مهابةُ الناس أن يقول بالحق إذا علمه...".

[2]  هذا الشأن الآخر ما ذكره أسماه محمود محمد شاكر: علم البلاغة الحديث، انظر: محمد عبد الخالق عضِيمة: دراسات لأسلوب القرآن الكريم، دار الحديث، القاهرة 1972، ط1 ، مقدمة محمود محمد شاكر، ص (و).

[3] محمود محمد شاكر: نمط صعب ونمط مخيف، مطبعة المدني، القاهرة 1996، ط1، ص95.

الاثنين، 9 يوليو، 2012

قالات في الخط العربي



قالات في الخط العربي من اختيار حاتم الأنصاري:
القالة الأولى:
"وأول من عمل على نشره [الخط العربي] هو الرسول صلى الله عليه وسلم."
عبد الفتاح عبادة: انتشار الخط العربي في العالم الشرقي والعالم العربي، مطبعة هندية بالموسكي، القاهرة1915، ط1 ، ص 11.

القالة الثانية:
"إذا تصور القارئ الفرق بين صوت الرجل والمرأة، وبين بشرتيهما، أدرك الفرق الواقع في خطوط النساء والرجال.
ومنها أنه يتأثر بتأثر نفسية الكاتب في الجودة وعدمها، وبانفعالاته من حزن وفرح، وخوف وغضب، وثبات واضطراب..."
محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي الخطاط: تاريخ الخط العربي وآدابه، مكتبة الهلال، المطبعة التجارية الحديثة بالسكاكيني، القاهرة1939، ط1، ص152.

القالة الثالثة:
" ...؛ لذا فإن الكتابة وثيقة مهمة لتسجيل القيم الحضارية، لقد بدأ التاريخ عندما عرفت الأجيال اللاحقة أسرار الأجيال السابقة؛ ولولاها لأسدل الستار على تلك الحضارات..."
عباس شاكر جودي المعروف بالبغدادي: ميزان الخط العربي، دار الحرية للطباعة بالأعظمية، بغداد1988، ط1، ج1، ص4.

القالة الرابعة:
"مجال الإبداع في الخط العربي واسع، يساعد في ذلك مرونة الحروف وطبيعة رسمها، وانسجام أشكالها وتجاوبها ومطاوعتها على التفنن مما لا نجده في اللغات الأخرى؛ وبالتالي هو هندسة جميلة في رسم الحروف والكلمات؛ تدل على ذوق الكاتب وتساعد على معرفة جوانبَ كثيرةٍ من شخصيته من خلال خطه."
محمد صيام: حدائق الخط العربي، بلا تاريخ، ولا دار نشر، ولا وطن، ص4.

الخميس، 15 مارس، 2012

شعر ابن الفارض دراسة سيميائية

جمهورية مصر العربية

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

كلية دار العلوم بجامعة القاهرة

قسم الدراسات الأدبية

شعر ابن الفارض

دراسة سيميائية

رسالة ماجستير مقدمة من الباحث:

حاتم أوس محمد السنوسي الأنصاري

تحت إشراف:

أ.د/ صلاح رزق

رئيس قسم الدراسات الأدبية بالكلية سابقا


مقدمة

مثَّل ابن الفارض علامة أدبية بكل ما تأثَّر به وأثَّر فيه، حيث أثار إنتاجُه الأدبي مجموع المتلقين – على اختلاف مواقفهم منه – بالتداول له، شارحين أحيانا، وناقدين أحيانا، بين سطحية الفهم وعمقه، أو قبول المحتوى الأدبي وغير الأدبي ورفضه، وانطلاقا من ذلك وجدنا أن تحليلَ شعره بمنهج سيميائي سبيلٌ لكشف الكثير من غوامض دلالاته.

أقسام الرسالة

وقد قسمت الرسالة إلى مقدمة وتمهيد ومدخل وثلاثة فصول وخاتمة؛ إذ تتناول المقدمة أسباب اختيار الموضوع، وحدود مادة البحث، ونبذة عن منهجه، والدارسات السابقة للمادة المختارة، وشروح الديوان وطبعاته المتعددة.

بينما يتناول التمهيد فكرة تاريخية موجزة جدا عن الشاعر وحياته وعصره، مع الإحالة على بعض مصادر ترجمته.

أما المدخل فيتناول المنهج السيميائي من تعريفه لغة واصطلاحا، مرورا بنشأته ومؤسِّسَيْهِ: دي سوسير، وبيرس، وتعريجا على أسمائه، وموضوعه، وأهم رواده وأعلامه، كما اشتمل على تحرير لبعض مفاهيمه، وتياراته، وأهم سماته.

ويتناول الفصل الأول سيمياء الفواتح والخواتم بوصفها العتبات الموجودة في ديوان ابن الفارض، وينقسم الفصل إلى ثلاثة مباحثٍ: الأول يتناول المفهوم السيميائي للفواتح والخواتم والتعريف الإجرائي لهما، ويتناول المبحث الثاني تحليل نماذج عديدة من فواتح الديوان، ملقيا الضوء على أهم الثنائيات المتضادة الراسخة في البنية العميقة لفواتح النص الشعري وخواتمه، كما يتناول المبحث الثالث سيمياء الخواتم بالتحليل على غرار المبحث الثاني.

وبالنسبة للفصل الثاني فيتناول التشاكل والتباين في ديوان ابن الفارض، فيخصص المبحث الأول للمفهوم السيميائي والتعريف الإجرائي للباحث الذي سيعتمده في سائر بحثه، والمباحث الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس تتناول وجوها عديدة مختلفة من تشاكلات تنمية المعنى الشعري في الديوان، وتباينات الدلالات الأصلية والفرعية والإيحائية لها، مع الاهتمام بأثر كل ذلك على المتلقي.

أما الفصل الثالث فيعمل على كشف التناصات الفارضية، وتحليل الدوال الظاهرة في البنية السطحية للديوان، وانزياحاتها الدلالية، وذلك في ثلاثة مباحث، أولها: مخصص لتوضيح المفهوم السيميائي وتقرير التعريف الإجرائي للتناص، إذ هو أداة تستخدمها عدة مناهج بحثية في التحليل، ووجب توضيح معناه لغة واصطلاحا من وجهة نظر سيميائية، ويتناول المبحث الثاني العلاقة التناصية بين دوال الديوان والقرآن الكريم، محللا بنية التناص إلى عناصرها الأولى، بينما يتوفر المبحث الثالث على تحليل نماذج من التناص الفارضي مع الحديث النبوي الشريف، لا سيما القدسي منه.

وفي نهاية المطاف تأتي الخاتمة مُجمِّعَةً أهم النتائج التي وصل إليها البحث، وساردة لها في اختصار غير مخل، وبعد ذلك قائمة المصادر والمراجع ثم فهرس الرسالة।

ولله الحمد تمت مناقشة الرسالة في الأربعاء 1فبراير 2012م بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة بقاعة أحمد زكي يماني من لجنة المناقشة، المكونة من:
أ।د/ صلاح الدين رزق
أستاذ الدراسات الأدبية بالكلية، مشرفا
أ।د/ شعبان مرسي

أستاذ ورئيس قسم الدراسات الأدبية بالكلية، مناقشا
أ।د/ عاطف جودة نصر

أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب بجامعة عين شمس، مناقشا

وقررت اللجنة منح الباحث درجة الماجستير في الدراسات الأدبية بتقدير امتياز.


الجمعة، 8 يوليو، 2011

رٍيّ

تداعى في السماء بأمر ربي
سحابات سقَتْ صبًّا بصبِّ

فطعم الماء يعرفه قتيل
تلوّى من ظما الصحرا بِــشِـعْــبِ

فأرسل للإله بكا صريع
تضرع أن يفوز ببعضَ شرْبِ

وأجهده مقام النَّزْع حتى
أتته حياته من فوق سحْبِ

أتته فأنبتته من جديدٍ
يعيش بريِّها كحياةِ عُشبِ

وواصَلْتِ التّمكّن في عروقي
فأنت الروح في روحي، وقُـطبي

وأنت شريكتي في كل مجدٍ
وأنت طريقتي المثلى وحزبي

وأنت مدار حكمي واحتجاجي
وأنت على السحاب مسار سِربي

لئن ضاعت حقوق النفس فيها
فيبقى أنْ وَفَيْتُ بحق لبّي

سحر 7-7-2011 الرياض - الروضة

الأحد، 5 يونيو، 2011

فاطم


قامت تعلمني الجمال فصولا

وتصوغ فيّ الكل والتفصيلا

وتحوزني فتفكني في أحرف

وتعيدني من ثغرها ترتيلا

وكأنني قد كنتُ عندي طلسما

ووجدتُ لي في صمتها التأويلا

وسكرتُ صحوا عن غيابات الدنا

ففنِيتُ معْها قاتلا مقتولا

صحَّتْ نبوآت الذين تخرَّصوا

وأبتْ قوانينُ الهوى تحويلا