الجمعة، 25 مارس، 2011

نهر لندن، سيميا السينما بليلة مع سفارة الجزائر

ثقافتنا في عيون بريطانيا؟ سؤال حاول الاقتراب منه عمل سينمائي جزائري، وكنت أقرأ في ما يدعي المقاربات المغاربية طرحا مريحا للعلاقة العربية الغربية موجها للعرب، وفقا لموروث عريق، وعادة قديمة، ولكن بدا هذه المرة الطرح في الاتجاه الآخر، إذ لغة الفيلم الرئيسة الإنجليزية مع ترصيعات فرنسية متابعةً للقصة، ولطائف عربية كأيقونة على مجهول على الحقيقة معروف على المجاز يُسمى الإسلام.

قامت السفارة الجزائرية بالتعاون مع السفارة الهندية بالرياض بتنسيق عرض فيلم "نهر لندن"، في ليلة طيبة الهواء والحضور، ومظلة من التداول التعليقي على الفيلم، وكان الاختيار من حيث هو جزائري عربي وطنيًّا من الطراز الأول، وإن احتفظ بلون مرح خافت، وإضاءات إنسانية في الخلفية.

تسير كل الأنساق في الفيلم في اتجاه واحد فقط، وهو ما حول الحدث، حدث تفجيرات 2005 بالعاصمة البريطانية، وربما أعطى ذلك إتاحة ما للمشاهد أن يفكر ويتأمل ولو داخليا بعيدا عن لحظة الذروة وشد الانتباه، ولكن في المقابل شكل رتابة ملموسة من طبقة الشباب خاصة ، وأصحاب النظام التمثيلي البصري كما يصنفهم علم البرمجة اللغوية العصبية.

تآزر عناصر نسق الأم الريفية البروتستانية، والأب الريفي المسلم، في تكريس التشابه بشكل يكاد يوجه المشاهد لترقب الأحداث وتوقعها، بينما تستغرق فترة تصعيد الحدث أكثر من النصف الأول للفيلم تقريبا، مع الاهتمام بكثير من التفاصيل التي لم تزد السياق نفعا، ولعل أحدا من المشاهدين وجد فيها فسحة للمعايشة الافتراضية للحياة الغربية إن لم يكن يعرفها.

بينما تشكل الفرنسية عند الأب عثمان لغة الحوار، يجد المشاهد أن إتقان السيدة أم جين غير مبرر، ولكن هناك أمور يمكن تمريرها.

تظهر تجليات فكرة الفيلم الرئيسية في حوار واحد فقط، حين تحدث السيدة أم جين أخاها إدوارد لتخبره باكتشافها الفظيع لعلاقة بنتها بمسلم وتعلمها العربية، وأنها ربما تحولت للإسلام وتنفجر في البكاء، في الوقت الذي مثلت فيه هذه اللحظة أول المشاهد الكومدية لدي المتلقين العرب في القاعة من ضحكات وتعليقات سخرية، ولكن سرعان ما يقلب المشهد نفسه لنرى هذا الجمهور يتجهم ويقطب مع افتراض حدوث العكس، لا سيما وأن الأب المسلم قد ترك فتاه عندما كان في السادسة وهاهو يتخوف من انحراف الفتى دينيا، إذ لم يربه بنفسه، وهنا يبلغ الصراع الداخلي مرحلة يفضل المخرج أن يتركها مفتوحة للمخالصة الداخلية لكل من يشاهد بعد أن جسَّد له قدر الإمكان معنى عراكيّ بارد للتقبل والرفض، إذا ما اتخذ التقبل قاعدة حياتية تكلف الكثير، أو إذا ما كان الرفض بديلا آمنا في كل الأحوال.

وعلى صعيد عملية التَّدْلال semiosis نجد المخرج يمثل بالتدخين حالة نفسية لرفض السيدة لواقها، هروبا أو انتقاما، كما ظهر بالطريقة الانفعالية التي تحرك بها السجائر بعد خمسة وعشرين عاما من عدمه، ولكن وفقا لتفاعل الجمهور نجد أن المشاهد الأربعة التي ظهر فيها تدخين السيدة كان القاعة تفيض بالضحكات، علما بأن جمهور المتلقين ينتمون لثقافات متعددة عربية وغربية، وهنا يميل منحنى التعبير عن المدلول إلى أدنى حالاته.

أما في محاولات استدعاء الفيلم للماضي بتبايناته، كقبر والد الفتاة، وصور الفتى صغيرا مع أبيه كان التركيز على عواطف بشرية مطلقة، وكأنها إشارة إلى مكان البدء، يتجلى هذا في مشهد جلوس العجوزين في المتنزه واستعراض عواطف المزارعين تجاه شجره ومائه وأرضه، وكأنه يلقى للمُشاهد بطرف الخيط، فيما يجعل انعكاس كل ذلك في حضن السيدة للرجل قبل المغادرة نتيجة حتمية للتقارب الإنساني، وإن كان في هذا المسلك بعدا بالعمل السينمائي عن نطاق الغموض والعبثية المطلقة، إلا أن هذا الطرح لا يخفى أنه علماني من الدرجة الأولى ولكن في أكثر صور العلمانية تهذيبا، إذ حافظت على وضوء الرجل وصلاته وآلته الموسيقية القديمة التي أهداها لفتاه، وإن كنا نرى أن إيثار انفتاحية الدلالة وتكريس الإحساس بالمشكلة وتغويم الحدث النازل قدر الإمكان أولى لتبعّل وجود المتلقي مشاركا في العمل الفني لا مستهلكا فحسب.

ولا ننسى أن سيميائية العنوان تاهت في مكان بعيد لم يعرف له أحد طريقا، كما تاهت معها تقنيات الغلق ومعطيات ما بعد انهيار الأبوين حزنا لموت الأولاد في عملية التفجير.

كان العمل محاولة لها شرف المحاولة على الأقل، ويبقى أنها لا تجد أقرانا كُثُرًا، على الطريق، على خطورة هذه الثغرة فهل يجد يوما المهتم الغربي غَناءً فيما يتلقفه من ميديا العرب المسلمين؟

ليست هناك تعليقات: